محمد جمال الدين القاسمي

5

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

القاتل وأولياءه . وربما لم يرضوا بقتل القاتل ، بل يقتلون كثيرا من أصحاب القاتل . - كسيّد القبيلة ومقدّم الطائفة - . فيكون القاتل قد اعتدى في الابتداء ، ويعتدي هؤلاء في الاستيفاء . كما كان يفعله أهل الجاهلية ، وكما يفعله أهل الجاهلية الخارجون عن الشريعة في هذه الأوقات من الأعراب والحاضرة وغيرهم . وقد يستعظمون قتل القاتل لكونه عظيما ، أشرف من المقتول . فيفضي ذلك إلى أنّ أولياء المقتول يقتلون من قدروا عليه من أولياء القاتل . وربما حالف هؤلاء قوما واستعانوا بهم . وهؤلاء ، قوما . فيفضي إلى الفتن والعداوة العظيمة . وسبب ذلك : خروجهم عن سنن العدل الذي هو القصاص في القتلى . فكتب اللّه علينا ( القصاص ) وهو المساواة والمعادلة في القتل . وأخبر أنّ فيه ( حياة ) فإنه يحقن دم غير القاتل من أولياء الرجلين . وأيضا إذا علم من يريد القتل : أنه يقتل ، كفّ عن القتل . . . ! وقد روي عن عليّ بن أبي طالب « 1 » وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : المؤمنون تتكافأ دماؤهم ، وهم يد على من سواهم ، ويسعى بذمّتهم أدناهم . ألا لا يقتل مسلم بكافر ، ولا ذو عهد في عهده . . ! رواه أحمد وأبو داود وغيرهما من أهل السنن . فقضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن المسلمين تتكافأ دماؤهم - أي تتساوى أو تتعادل - فلا يفضل عربي على عجميّ ولا قرشيّ أو هاشميّ على غيره من المسلمين . ولا حرّ أصليّ على مولى عتيق . ولا عالم أو أمير على أميّ أو مأمور . وهذا متفق عليه بين المسلمين . بخلاف ما عليه أهل الجاهلية وحكام اليهود . فإنه كان يقرب مدينة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم صنفان من اليهود : قريظة والنضير . وكانت النضير تفضل على قريظة في الدماء . فتحاكموا إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في ذلك وفي حدّ الزاني . فإنهم كانوا قد غيّروه من الرجم إلى التحميم « 2 » ، وقالوا : إن حكم بينكم بذلك كان لكم حجّة

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في : الديات ، 11 - باب إيقاد المسلم بالكافر ؟ ، حديث 4530 ونصه : عن قيس ابن عباد قال : انطلقت أنا والأشتر إلى عليّ عليه السلام . فقلنا : هل عهد إليك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم شيئا لم يعهده إلى الناس عامة ؟ قال : لا . إلا ما في كتابي هذا . قال فأخرج كتابا من جراب سيفه ، فإذا فيه « المؤمنون تكافؤ دماؤهم ، وهم يد على من سواهم ، ويسعى بذمتهم أدناهم . ألا ، لا يقتل مؤمن بكافر ، ولا ذو عهد في عهده . من أحدث حدثا فعلى نفسه . ومن أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين » . ( 2 ) أخرجه مسلم في : الحدود ، حديث 28 ونصه : عن البراء بن عازب قال : مرّ على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بيهوديّ محمّما مجلودا . فدعاهم فقال : « هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ » قالوا : نعم